الشنقيطي
437
أضواء البيان
عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ ) * ، فهذا عدل . ثم دعا إلى الإحسان بقوله : * ( وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الاٍّ مُورِ ) * ، وقوله * ( لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ ) * فهذا عدل . ثم دعا إلى الإحسان بقوله : * ( إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهْ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً ) * إلى غير ذلك من الآيات . فإذا عرفت هذا ، فاعلم أن العدل في اللغة : القسط والإنصاف ، وعدم الجور . وأصله التوسط بين المرتبتين . أي الإفراط والتفريط . فمن جانب الإفراط والتفريط فقد عدل . والإحسان مصدر أحسن ، وهي تستعمل متعدية بالحرف نحو : أحسن إلى والديك . ومنه قول تعالى عن يوسف : * ( وَقَدْ أَحْسَنَ بَى إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ ) * . وتستعمل متعدية بنفسها . كقولك : أحسن العامل عمله ، أي أجاده وجاء به حسناً . والله جل وعلا يأمر بالإحسان بمعنييه المذكورين ، فهما داخلان في الآية الكريمة ، لأن الإحسان إلى عباد الله لوجه الله عمل أحسن فيه صاحبه . وقد فسر النَّبي صلى الله عليه وسلم الإحسان في حديث جبريل بقوله : ( أن تعبد الله كأنك تراه . فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) . وقد قدمنا إيضاح ذلك ( في سورة هود ) . فإذا عرفت هذا ، فاعلم أن أقوال المفسرين في الآية الكريمة راجعة في الجملة إلى ما ذكرنا . كقول ابن عباس : العدل : لا إله إلا الله ، والإحسان : أداء الفرائض . لأن عبادة الخالق دون المخلوق هي عين الإنصاف والقسط ، وتجنب التفريط والإفراط . ومن أدى فرائض الله على الوجه الأكمل فقد أحسن . ولذا قال النَّبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي حلف لا يزيد على الواجبات : ( أفلح إن صدق ) . وكقول سفيان : العدل : استواء العلانية والسريرة . والإحسان : أن تكون السريرة أفضل من العلانية . وكقول علي رضي الله عنه : العدل : الإنصاف . والإحسان : التفضل . إلى غير ذلك من أقوال السلف . والعلم عند الله تعالى : وقوله * ( يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) * . الوعظ : الكلام الذي تلين له القلوب . تنبيه فإن قيل : يكثر في القرآن إطلاق الوعظ على الأوامر والنواهي . كقوله هنا * ( يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) * مع أنه ما ذكر إلا الأمر والنهي في قوله : * ( إِنَّ اللَّه